زكريا القزويني
461
آثار البلاد واخبار العباد
المطيرة من قرى سامرّا أشبه أرض اللّه بالجنان من لطافة الهواء وعذوبة الماء وطيب التربة وكثرة الرياحين . وهي من متنزهات بغداد يأتيها أهل الخلاعة . وصفها بعض الشعراء فقال : سقيا ورعيا للمطيرة موضعا ! * أنوارها الخيريّ والمنشور فيها البهار معانقا لبنفسج * فكأنّ ذلك زائر ومزور وكأنّ نرجسه عيون كحلها * بالزّعفران ، جفونها الكافور تحيا النّفوس بطيبها فكأنّها * وصل الحبيب يناله المهجور الموصل المدينة العظيمة المشهورة التي هي إحدى قواعد بلاد الإسلام ، رفيعة البناء ووسيعة الرقعة محطّ رحال الركبان . استحدثها راوند بن بيوراسف الازدهاق على طرف دجلة بالجانب الغربي . والآن لها سور وفصيل وخندق عميق وقهندز ، وحواليها بساتين . وهواؤها طيّب في الربيع ، أمّا في الصيف فأشبه شيء بالجحيم ! فإن المدينة حجريّة جصّية تؤثر فيها حرارة الصيف ، تبقى كالشاخورة ، وخريفها كثير الحمّى تكون سنة سليمة والأخرى موبئة ، يموت فيها ما شاء اللّه . وشتاؤها كالزمهرير . بها أبنية حسنة وقصور طيّبة على طرف دجلة . وفي نفس المدينة مشهد جرجيس النبيّ ، عليه السلام . وفي الجانب الشرقي منها تلّ التوبة ، وهو التلّ الذي اجتمع عليه قوم يونس لمّا عاينوا العذاب ، وتابوا وآمنوا فكشف اللّه تعالى عنهم العذاب . وعلى التلّ مشهد مقصود يقصده الناس كلّ ليلة جمعة وينذر له النذور . وبها بساتين نزهة . وفيها جواسق في غاية الحسن والطيب . وأهل الموصل